الأحد، 10 مايو 2015

خفيف الروح قصة

خفيف الروح بيتعاجب برمش العين والحاجب خفيف الروح
كان المغنى يريد أن يكمل الجملة لكن الكلمات توقفت فجأة فأهتز القطار و أفلتت عجلة القيادة من يد السائق فصرخ : أتركوا القطا ر أتركوا القطار .
كانت نجمة وحيدة تقف أمام عينيها فى هذه الليلة وهى تحاول أن تلاحق أصحابها وتسبقهم فى الغناء فيعلو الصوت يعلو يعلو وعازف العود الذى تمرس على العزف لسنوات طويلة يحاول أن يلاحقها وهى تنشد وبصوت قارب من الجمال حد التفوق فانتشى الأصدقاء وهم يرددون وراءها : القلب يعشق كل جميل ويما شفتى جمال يا عين .

كاد المغنى يختفى صوته عندما اكتشف أن الكلمات هربت منه ولم يعد قادرا على تذكرها كل ما فعله أن أصبح مرددا ومنشدا وراءها .
والقطار الذى توقف فجأة فى منتصف الطريق أصبح معطلا والسائق يمسح بكفه حبات العرق .

النجمة التى كانت فى السماء تعانى من وحدتها وتألقها أصبحت تنصت لصوت الغناء وتقترب شيئا فشيئا لتضئ للجالسين وسط الحشائش والأشجار المتناثرة على جانبى الطريق والمغنية التى تفوقت بأدائها وصوتها ما زالت تنشد : طاوعنى يا عبدى طاوعنى أنا وحدى ما لك حبيب غيرى قابلى ولا بعدى .
وفجأة ظهرت صور الأحبة وأخذوا يأتون الواحد تلو الآخر ويجلسون مقرفصين على الحشائش بترتيب هبوطهم خالد عبد المنعم وفى يده حمار البحر مازال يقرأ فيه ويصحح الأخطاء المطبعية إبراهيم فهمى حضر بسمرته الشفيفة وجلس فى ركن قصى كما كان يحب أن يجلس على مقهى البستان بالضبط فى الشمال الشرقى تماما .
فأجأنا عمر نجم بحضوره الطاغى وهو يمسك فى يده عبد الدايم الشاذلى الذى ما زالت عيناه تؤلمه من أثر الجراحة الخئبة والشاش والقطن على عينيه يحجب الرؤية فظل واقفا ساندا بيده على كتف عمر ويسمعان فى صمت .

المغنية صوتها يجلجل ويعلو ويعلو صوت العود صادح كأن هناك مباراة بين العازف والصوت وكأن الملائكة تعزف بأناملها الدقيقة فلس الوداع .
وحضر جمع غفير يشعلون السجائر ويتحركون فى كوكبة هائلة يهزرون ويضحكون وصوت ضحكاتهم يملأ المكان
مجدى الجابرى أسامة الدناصورى سيد عبد الخالق حاتم عبد العظيم وووو
لقد صنعوا دائرة وجلسوا على الحشائش يكملون صخبهم .

وفجأة نط وسط الدائرة محمد عبد المعطى وجلس يلقى النكات الضاحكة وهو يردد بلثغته الخففة : سمعتوا أخر الأخبار الواد على شوك اللى سبقنى بكام يوم لقيته واقف على باب الجنة خجول ومكسوف يدخل رحت مديله كتف وقلت له : أدخل يا ولد المكان ده مش تبع وزارة الثقافة ثم أخذ يلقى القصائد ويقلد الشعراء فى طريقة أدائهم وهم يضحكون ويضحكون .

سقطت الأغانى وتوقفت الألحان عندما هجمت كوكبة من الأصدقاء على المسرح واعتلوا الخشبة وأخذوا يمثلون الدور الذى توقف فى حريق بنى سويف .

وأصبحت الجماهير موزعة فى المكان بين من يسمع الشعر ومن يشاهد المسرح وبين المغنية التى تحلق حولها كثيرون من الرواد يحثونها على تكملة الليلة ولو لمرة أخيرة .
فاختاروا ان يغنوا جميعا دور محمد عثمان يا ما أنت واحشنى

الحديقة امتلأت عن أخرها
وكانت ليلة من ليالى ألف ليلة وليلة .



ملحوظة بعد أيام سوف تمر ذكرى رحيل الشاعر

محمد عبد المعطى  

الجمعة، 8 مايو 2015

عزيزى أصلان قصة قصيرة

عزيزى أصلان
   

الآن وللمرة الثانية انتهى من وردية ليل .
لم يكن يشغل بالى سوى العم بيومى وهو يرفع وجهه ( أول دور مش تانى دور ) جملة ذكرتنى بمشهد موت العم مجاهد والشيخ حسنى يجره فوق عربة الفول ، وضبابية الفجر خلفهما .
أفق يفتح على أننا سوف ندفع تجاهه ، واليوم ليس معى مليم ، أرسل به برقية إليك ، أهنئك على روايتك التى أخيرا قرأتها .
" ياه صعب قوى "
الليلة ، أرتدى التيير الأخضر ، والحذاء الشمواة الأخضر ، أكور يدىّ ، وأنفخ فيها نفسا دافئا ، والبنايات العالية تتضخم أمام عينى فى شارع قصر النيل .
" ياه مجدى وحشنى قوى "

لى مقهى زهرة البستان ، كانا صامتين ، ويدخنان بشراهة وعدم أكتراث ، استدارا بوجهيهما ناحيتى .
كان لحق يوحشك .
أسكت أنت ياياسر .
ليك وحشة كبيرة قوى يايوسف ، تيجو نمشى ، لحسن البستانفاضى وممل .
سرنا أنا وياسر الزيات ، ويوسف النجار ، البرد يفجؤنا ، والشوارع خالية ، نكور أيدينا ، وننفخ فيها ، أنفخ بشدة ، وأجرى بينهما .
تعرفوا ..
الشرب فى الجو ده لذيذ .
يابنت المجنونة .
أهدى .
يوه يايوسف ، أصل مجدى له وحشه .
دا عشان أول مرة .
تعالوا نرجع القهوة .
سينما قصر النيل تعرض فيلم ( العسكرى الأزرق ) قلة يدخلون ، لمحنا سليمان يقف خلف بنت سمراء ، تنظر إلى أفيشات العرض ، بفستان تيل سادة ، ندهنا فى نفس واحد :
ياسليمان ..
استدار بارتباك ناحيتنا .
أهلا
أنا كنت فى وردية وراجع .
شفتوا أصلان .
تلاقيه ع القهوة .
أقترب يوسف .
تعرف ياسليمان ..
أنا كنت هناك ع القهوة .
شفت أصلان وشحاتة ، وناس كتير عاملين زينا ، واحنا بنشرب غزازتين البيرة الساقعة ، فى كشك الخواجة على حساب سليمان الصايغ .
وبنضحك عيه وعلى روايح .
اقترب سليمان وسرنا .
ياه يايوسف ، تعرف قبل ما أجى عديت على إبراهيم فهمى صاحبنا ، اللى معايا فى الشغل ، فتحت عليه الوضة ، لقيته ممدد على الأرض حزين ، ومركون على جنب وميت .
سبته زى ماهو وجريت .
معرفش إيه اللى ودانى السيما وقابلتها ، لابسه فستان تيل ولمة شعرها .
جت جنبى وطلبت .. ولما شدتها ، رفضت تخرج للشارع ، همست فى ودنى ( أنا ما بروحش بيوت )
... توقفنا عن السير ، كانت أندهاشة يوسف النجار أوسع من ان ندركها ، ظل صامتا ، ثم فاجأنا .
حاسس إنى هاموت زى العم مجاهد وحدى ، إمبارح أم روايح ماتت على روحها من الضحك وهى بتقوللى : يوه يااستاذ يوسف ، لسك لوحدك !
منور .
ومدت إيدها تحت منها وهرشت وهيه ..بتضحك .
أنا كنت بحب فاطمة وهجوزها .

     الليل يشعرنا بالوحدة ، وقسوة الشارع ، وهو يصفر حولنا ، جعلت وجوهنا أكثر حميمية واقل توترا .
خلاص أنا تعبت .
ومترو النفاق خلص .
تعالو نرجع .
خلاص نسيتى ؟
لأ
أنا عايزة اشرب .
" على بابا " مكان ضيق وكئيب ، ومبنى الجامعة الأمريكية يقف أمامنا شامخا فى وحشة .
أزايز البيرة عملت جو .
يعنى المخزن مش أحسن .
يوه ياياسر كفاية شرب .
أنت بالذات تسكتى .
فاكر يايوسف مشهد الهرم لما زنقة الشيخ حسنى فى الحمام .
أنا ساعتها مت من الضحك .. والسيما هاجت .
المشهد اللى معشش جوايا بجد ، مشهد يوسف وهو متمدد ونايم والقارب على وش المية .
طول عمرى بحلم بالمشهد ده .
مية ، وأنا نايم على ضهرى ، وانا .. وواحد .. واحد جميل .. جميل قوى ، بنمارس جنس .
من غير مركب .
من غير مركب .
عريانة .
يابنت المجنونة .
الله يخرب بيتكم .
البيرة دى هايلة .

                                                   مايو 1994 

الأربعاء، 6 مايو 2015

بداية اللعبة

بداية اللعبة قصة لـ صفاء عبد المنعم


صفاء




قصة : صفاء عبد المنعم
كنت فى المطبخ صباحا ، أعد طبقا من الفول بالزيت والليمون ، ولحظة ، هى لحظة ، أو ربما تكون إغفاءة ، نظرت خلالها إلى شعلة النار المنبعثة من عين البوتجاز ، ورايت ما كان يجب أولا يراه غيرى ، وسمعت ما كان يسمعه أحد ، ربما سمعته قديما ، أو صدر من شخص أعرفه ، أو أكون قد قلته ، أو كتبته من قبل .
أو قالته امرأة ما غيرى ، فى زمن ما غير هذا الزمن ، المهم أننى سمعت حوارا كاملا دار بين امرأتين من زمنين مختلفين ، كنت أنا طرفا فيه ، سمعت الولى تقول لى : لالا أنا أقول لها ، لالا ، لا أعرف من تحثت أولا !
ولكن ما عرفته جيدا ، هو أنه كان حديثا طويلا ، وشيقا ، بين اثنتين مختلفتين ، وانا طرف فى اللعبة .
إنها الرواية .
كنت لا أريد أن أكون شخصيا فى هذا المستوى من الخطاب !
لم أكن أريد أن تكون لى علاقة به !
من شطب ، وحذف ، وقطع ..
كنت لحظتها شفافة ، وهادئة ، ومطيعة ، ومفتوحة بلا نهاية على العالم ، وتاركة كل الخطابات السابقة على وجودى !
وأحاول أن أبحث عن خطاب غير سلطوى فى حديثى معها ، ولكننى وجدتها أمامى ..
امرأة كاملة وعاقلة تمسك بيدى ، وتربت برفق وتقول لى : لا تخافى من أية سطوة أو تعنت أو تلاشى ، فانا بشكل ما وضع مؤقت ، لحظة متواترة فى الوجود ، لا توجد حقيقة مطلقة ، ولا هناك حكم نهائى !
ولكن عليكى ألا تخافى منى هكذا !
فأنا مثل الكلمة أستمد سلطتى من سلطة الأخرين .
ثم قامت بتضميد يدى من الحرق الذى أصابها ، لن أنسى صرختها الإنسانية وهى تقول لى : ياحبيبتى إيدك أتحرقت !
كانت تشبه تماما صورة ميرام التى صنعتها داخل الرواية ، ومعبرة تماما عن تشنجات وجهها التى تحدث عندما كنت أشعر بالألم تجاهها وهى تعطى الدواء لنفسها كى لا تنام أما الأخرين .
الوجه الذى أمامى الآن ليس وجهى ، ولكنه الوجه المتمنى / الحلم ،… اللاتحقق !
حاولت رسم صورة لها وهى تخرج من النار ، واسميتها صاحبة اليد المحترقة ، ولكننى بعد ذلك اكتشفت أننى رسمت صورة لنفسى ، صورة لمريم ، واكثر تعقيدا من صورة ميرام ، وأكثر إنسانية من صورة فطوم .
لم أكن أعى جيدا أى وجه هذا الذى أمامى ؟
خطوط متشابكة ومتداخلة ، وألوان كاتمة وحزينة ، ومصير غامض وعبثى فى نفس الوقت .
والأخضر بدرجاته يلعب دورا بارزا .
عندما وقفت أمامها ، وهى ترشف من فنجان الشاى ، قالت بود : هذا وجه امرأة معطاءة ..
ولكنها تعطى بحزن ..
واسمها ميرام أو فطوم ..!
ولا حظت أن هناك لهبا ما يتوارى خلف الألوان .. ضعيفا وقليلا ..
ويد محترقة تخرج من اللوحة .
ضحكت بعفوية وقالت : الله دى إيدى !
عندما حاولت إنقاذك من النار حرقت يدى !
خرجت من الحجرة ، وتركتها تتأمل اللوحات ، وانا تسيطر على رأسى فكرة مجنونة ..
من أنقذ من ؟
أنا التى أنقذتها !
وحرقت يدى ..
ومازالت بعض أثار الحريق واضحة .
وهى تضحك وتقول : إنها هى التى أنقذتنى !
رفعت رأسى من داخل الحبل المعلق .
مع العلم ، أنا التى أنقذتها !
وهى ألقت بالجثة من الشباك .
أو وضعت حجرا ثقيلا داخل بلوزتها ، والقت بنفسها فى النيل ، كما جاء فى الرواية .
والآن أفضى بكل ما يرد على خاطرى من افكار ، أذكر كل شىء ، بغير ان أختار أو أنتقى ، حتى لو بدت لى بعض الأفكار غير مستحبة أو غير منطقية ، أو لاقيمة لها ، أو لا علاقة لها أصلا بالموضوع .
وضع الطبيب نظارته أمامه – وتفحص وجهى جيدا – ثم أخذ يخط بعض الكلمات البسيطة على الورق ، وانا أتابعه من خلف نظارتى الطبية .
لا يحدث أننى أرغب فى شىء ..
ولكنه الآخر هو الذى يرغب من خلالى !
أشعر أننى نسخة بالكربون .
أشبه صورة باهتة لآخر يشبهنى ، لا أعرفه !
ولكنه يوحى لى برغباته ..
وهو الذى يتحكم فى أهوائى ، وانا أعتقد أننى حرة فى اختياراتى ..
وللأسف اكتشفت أخيرا أنها حرية كاذبة ، أو على الأقل خادعة .
وضع الطبيب القلم من يده ، وأخذ يفرك كفيه كى يعيد الدفء إليهما ، بعد الساعات الطويلة التى قضاها معى ، وهو يسمع ، وانا أتحدث ، ثم مال بجزعه على وجهى وقال : مدام ميرام ..
منذ متى ، وهذا الإحساس يطاردك ؟
ترددت قليلا ، وانا أشير له إلى اسمى فى البطاقة ، ولكنه تجاهل إشارتى ، وحثنى على مواصلة الحديث .
أشعر أننى أشبه ( دون كيخوتى ) وهو ينتحل شخصية ( أماديس ) البطل ، ويحاول أن يحارب العمالقة ، أو وهو راكبا فرسه ، ويشهر أسلحته الصدئة فى وجوه أعداء وهميين ، ولا يعترف بهزيمته أو جنونة

الجمعة، 1 مايو 2015

نقوش - قصة قصيرة -

ـ  نقوش ـ

تشاغلت عيناى بمتابعة النقش البارز فى اللوحة المعلقة عالياً و طنين الأغانى المتلاحقة يأتى إلىَ من الشارع وصوت الباعة الجائلين من آن لآخر يخرجنى من غفوتى المتشاغلة بالنظر إلى السقف ؛ كانت اللوحة الكبيرة عبارة عن سوق كبير للعامة فى زمن القاهرة القديمة وربما يكون تحديداً فى العصر الفاطمى أو المملوكى .
  إنى لم أحدد بعد هوية اللوحة ؛ فقط تشاغلت بمتابعة الهدوء والسكينة والبضائع المتراصة بشكل ساذج على قارعة الطريق ؛ وقليل من المارة يتوافدون .
 وحدى أشق طرفى الثوب إلى نصفين ؛ تنتابنى حالة من اليأس لم أعتاد عليها ولكننى رأيت ما رأيت " طرفى الثوب تتباعدان ، تتصاعدان ، إلى أعلى أعلى ، ترفان صوب اللوحة ، صوب الفارس ، صوب الشارع " كل ما تخيلته هو أننى أجول فى اللوحة مزهوة .
 زوجان من الأحصنة المجنحة ترتديان شقى الثوب وترفان .
 آه هل أنا متعبة إلى هذا الحد ؟
دون رغبة فى شئ أخذت أصرخ ، أصرخ خارجة من اللوحة ؛ كانت الخلفية غير الواضحة لمسجد كبير ، ومشربيات جد جميلة ، مشغولة بحنكة الصانع الذى دقق كثيراً فى جميع التفاصيل .
الخشب يحمل رائحة الأيام فتطير سعادة لزمن سابق ؛ الأفاريز تخرج منها حكايات المارة والصانع ؛ تحكى الأفاريز تاريخاً كان يتحرك ويتلون ويصبغ الأيام بصبغته .
 مملوك فوق جواده يمر متنزهاً بين مقتنيات اللوحة وأمامه يجرى رجلان يفسحان له الطريق ، سقطت رأس المملوك تدحرجت تحت أقدام الجميلة خارجة من حمام قديم فبان وجهها جميلاً صافياً ؛ حياها الفارس وتمهل ملياً وهى تلتقط اليشمك والحَبرة وتعيد وضعهما من جديد .
 الأيام والأزقة والمرأة ورأس المملوك وتحية الفارس وبسمة الجميلة كل هذا لم يبعد صوت المارة ؛ والموسيقى الداخلية المنبعثة من المحل تمنع تأملى للوحة .
تبدلت الموسيقى بأغنية شائعة " بابا قول لماما بح ، بابا أوبح "
 دارت عيناى المتأملة اللوحة تجاه الفارس ومددت يدى أمسك المهماز تركنى وسار عبر الأزقة .
 " هنا كانت ترتكز فتاة على حافة السور خارجة من زمنها ، من أيامها  والآن تمر محملة بعطر رخيص وسنوات بعيدة "   
  إنها اللحظة .. وتمر .. تاركة السور والشارع ونهداها عالقان على الحافة ومرت هى من المحل ، والأخرى من الصورة ؛ هى من الشارع ، والأخرى من لوحة بعيدة ؛ هى من حافة السور ، والأخرى من زمن قديم ؛ هى من الزمن الأتى ، والأخرى من العصر الفاطمى أو المملوكى . 
  " إنها القاهرة القديمة " 
مبانيها ، ضواحيها ، أفاريز الجامع ، خشب المشربيات ، المملوك والفارس والفتاة ورائحة بخور المر فى يد الدرويش يثير فى اللوحة دخانه ، طاقاته ، خرفاته ، خرقه البالية ... وتذوب اللحظات البطيئة فى ثلجية مفرطة بين عين الواقفة المتأملة ، وعين الجميلة فى اللوحة العالية المعلقة من زمن بعيد بعيد وقديم .
إنها الآن ترتبك تريد أن تحدد ملامحها بعد أن زهقت من الفوضى والإرتحال تريد أن توضح ماهية الأشياء تريد أن تقبض على اللذة الهاربة والمتعة الأبدية .
إنها الآن :
تقرأ مثل تلميذات المدارس ، تضع خطوطاً تحت الكلمات والجمل المهمة المدهشة والمثيرة بين قوسين ولكن ما يجرحها هو المرأة الجميلة الباسمة للفارس هل مازالت تتحرك ؟
تدفع اليشمك والحَبرة ؛ تبتسم تلملم طرف الثوب من قاذورات الطريق ؛ ماذا لو قابلت هذه المرأة مرة أخرى ؟ هل لها نفس الملامح ؟
الجمال !
هل هى تبتسم ؟  أشياء أريد معرفتها أكثر من ذلك أتمنى أن أرى ما خلف المشربيات ، أسمع صوت المغنيات منبعثاً من الحريم ورائحة البخور المر المتطاير عبر اللوحة وتطويح الدرويش لمبخرته بذراعه كيف رأها الفارس عندما رأته ؟
رغم أنى محملة بأنثى خارج اللوحة وموسيقى خارج السياق وصوت الباعة الجائلين إلا أننى أبحث عنها بشكل أوسع ومفرطاً فى الدهشة ، نعم إنى أبحث !
وسأظل محملة بعبء البحث والمعرفة وإلحاح الذاكرة وتاريخ اللوحة .
ولكن كيف أرى إنسانية البسمة ؟ والوقفة وإرتباك اللحظة ؟ وإلتباس البوح ؟
وقفت مشدودة فى حوار مفعم بالقلق .
 " يا صاحبة الطقوس "
والمفجر الأساسى للمشهد ، أذكر لطمة أمى على وجهى لحظة قررنا ( أنا وزوجى ) أن نعيش الليلة الأولى ( عادى ) دون إشتغال .
"يا سيدة الطقوس "
  إفتحى ذاتك ، اللوحة ملء عينيي ، ما هى رغبات اللحظة ؟
 ( الفارس ) كان لطيفاً متفهماً حاول تدريب رغباته دون ترك لحظة العشق البدائى دون إشتعال ؟!
" يا سيدة الزمن البعيد "
 إنى أصغى إليك فتحدثى وأذكرى لى مبعث ألمك وسعادتك ؟
أخذت أغلق سوستة الجاكت وأستعد للخروج ، إسترخيت على الكرسى وأرحت ظهرى ، مددت يدى متنهدة   .
ـ  ياه الدنيا برد قوى  .
 على باب المقهى فردت أصابع يدى اليسرى فى تحية حارة للجالسين ، الصمت يحيط بالمارة ، باللوحة ، بالجالسين فى هدوء المكان ، كان لى أكثر من عام لم أجئ إلى هنا ، كم كان مريحاً بالنسبة لى الخروج ببطء من الماضى والإتيان لأكل سندوتشات ( الفول والطعمية ) والمشى فى شوارع القاهرة .

" إنها الدهشة الأولى "
أشير كطفلة لكل ماهو جديد ومثير ، ألتقط سريعاً كلمات المارة ، حوارتهم ، ضحكاتهم ، طريقة ملابسهم ، وسيرتهم فى الطريق ؛ إرتديت الجينز والتى شيرت وأتيت كم كان مريحاً بالنسبة لى الخروج من اللوحة القديمة ومشاهدة النيل والشمس الغاربة كل ذلك يثير فىَ أحداث الماضى وحواديته .
 تحدثت فى همس : أريد صورة كبيرة لى الآن كى أعلقها عالياً  .
 ياريت ... 
صورة كبيرة للقاهرة الآن ، دون فارس ، دون مملوك ، دون الجميلة واليشمك والحَبرة ، دون الدرويش ومبخرته ورائحة بخور المر ودخانه ، دون أن أكون بداخلها  .
 تنهدت بطفولية كيف ؟
طرت أجرى ، أمرح ، واليشمك يتطاير عبر الصورة من الجميلة الباسمة ..
أحب الشمس والفوضى ، أريد الدخول من الباب الكبير ( باب النصر ) أخرج علبة سجائرى وأشعل واحدة .