الجمعة، 22 يوليو 2022

 

شجرة عتيقة فى الممر

--------- ------------

 

 

كل يوم صباحا.

أفتح نافذتى التى تطل على حديقة صغيرة أمامية، أرى من خلف القضبان الحديدية بعض العصافير تهجر أعشاشها حرة طليقة، تبحث عن غذاءها، وبعض الغربان السوداء تحوم حول الشجرة الممتلئة بالخضرة.

أفتح نافذتى.

وأضع القلة البيضاء فيها، وأظل أطارد الطيور وهى تحوم حول الشجرة بعيني الجاحظتين،

وأثر النوم مازال يملأ جفني.

كل صباح.

تعودت على هذه العادة، منذ أن سمعت صوت الكروان يردد مقولته الشهيرة فى الفضاء الواسع(الملك لك لك يا صاحب الملك)بعد عدة أيام من تعودي على الاستيقاظ مبكراً،أصبحت أسمع أصواتاً أخرى، مثل صوت الأمري، وهذا نادراً ما يحدث في المدينة، كنت قديماً أسمع هذه الأصوات المغردة عندما كنت أذهب عند جدي فى القرية، وأجلس أمام الدار أنصت إلي أصوات الطيور على أختلاف أشكالها، حتى صرصور الغيط كنت أعرف صوته وأميزه. وكانت تضحك جدتى وهى تدارى خجلها الريفي وتقول لى : آه منكم أنتم يا بتوع مصر

أجرى وأرتمي فى حضنها الواسع وهى جالسة أمام الفرن، تخرج الأرغفة الطازجة الشهية، وأنا أقبل رأسها : تسلم أيدك يا جدتي.

وتعطينى رغيفاً ساخناً.

أقضم منه في شهية وتلذذ : الله طعمه حلو قوي يا جدة.

تمد يدها وترفع الماجور وتخرج من أسفلة صينية كبيرة من الأرز المعمر، وتقطع قطعة كبيرة وتعطيها لي فى طيبة مفرطة : خدي يا عين ستك حلي.

أتناول قطعة الأرز، وأظل جالسة إلى جوارها أستمتع بصوتها العذب الحنون وهى تغني.

هنا والآن فى هذه المدينة البعيدة.

أقف وحدي خلف القضبان الحديدية، أبحث بين الأشجار القليلة عن صوت الزرزور الذى كنت أحب أن أسمع صوته، هناك بعيداً في القرية التى أختفت الآن، وتحولت إلى غابة من الأسمنت المسلح.

 

------------------------------------------------------------------------------------

 

السبت، 9 أبريل 2022

 

إن عظامك لن تفنى

-------------------------

 

 

 

بدءاً من الآن.

سترى بعينيكَ عبر هذا الزجاج نوعاً جديداً من الضوء، يتسرب إلى داخلكَ.. بكل دقة.. تعانى كثيراً من الصداع.

عندكَ بعض من الوقت لاجتذاب آخر نفس فى سيجارتك، ستحاول مراراً أن ترتدى سترة تقيكً هذا البرد، ستؤجل مشاوير عدة، ستنتظر أن يحل الضوء فيكَ، فتبدل عظامكَ.

فجوة بين رأسكَ والوسادة.

لا تأكل أظافركَ، كثيراً تمارس هذه العادة – ترقد والنافذة على أخرها – لا تغلق الباب.

تضع رأسكَ تحت الوسادة(ترقص جنية فى عينيكَ، تريدها ملء يدكَ، تمسكها)تلقى بنفسكَ كاملاً فىَ. تصل إلى حيث يكون هناك عالم واسع وعميق.

تهزنى : أف الدنيا حر.

تقذفنى للشارع(أنتَ سمج)خطوة أولى، ومساء أول(امرأة تدجج البيت بالحب، ورجل يقطف الشهوة)تسرق عينىَ، تخبىْ عينيكَ.

- ما كان لى أن أراكِ هكذا.

وأنتِ تنظرين إلىَ كالمسموم.

الواقفون هناك ضد وجهى، وضد عينى والهواء. كل يوم يزداد قلقى تجاه مواقفى، والطيبون البسطاء لا يعرفوننى، وأنا أنجو من داخلى بحصارها داخل دفتى كتاب"ثمة تيار خفى فى ذلك السلوك، إطلاق غازات المعدة فى صالون برجوازى، ثمة جمال فى جملة ركيكة، ثمة جمال فى فعل فبيح".

ليبدأ الجحيم عند السرة.

وأنا خراء.

- إلى هذا الحد أجدكَ داخلى!

فى الراسائل المتبادلة بينكَ وبين نفسكَ شرحت أن أنهيار العالم، يبدأ من ذاتكَ، وأنكَ منذ أيام لم تأكل، وليال كثيرة، ترقد عارياً، تفتح النافذة على آخرها ترشق عينيكَ فى وجه الله.

وتحدثنى : متى نكون كما نحن؟

هكذا عرايا.

ونرى الله واضحاً؟

الجرزان مهيئة للخروج، والليل وحشى أمامكَ(أنتَ فأر صغير).

فى خطابك السابق على هذا قررت أن تكتب كل شىء، طريقة نومكَ، قلقك، حبك لى.

وأنكَ تعانى من قلة الأصدقاء.

عصفور صغير ينقر رأسك، والبول المحتبس داخلكَ – لأنك لا تفرغ المثانة جيداً – يهيؤك إلى حالة جنسية تصل إليه.

تقف على بابه عارياً :

 ياالله.

امرأتى شهية وما أنا بقادر.أفعل.

- ما أنا بقادر.

* أفعل.

- ما أنا بقادر.

* أفعل.

- الأصدقاء قلة ويزدادون قلقاً وتوتراً.

  وأقراص المنوم صارت قليلة المفعول.

* أفعل.

- المبانى تتضخم أمام عينىَ.

* أنهائى هذا.

- كل يلوذ بما لا يلاذ به.

  والجو ملىء بالخرافة والمطر، ودخان السجائر.

(إن عظامك لن تفنى، ولحمكَ لن يمرض، واعضاءكَ ليست بعيدة عنكَ).

الشارع فى التاسعة، يصبح لنا. تطلقين النارعلى آخرها، أنتِ شرهة فى الأكل والمضاجعة، والنظر إلى النساء.

خائب يحتك بكِ قاصداً، وأنتِ تدفعين ثمن التذكرة، ستون مليوناً يندسون داخلكِ فى أكلات العدس، والفول، والبصارة، وكعك العيد.

طازج يومك حين يبدأ فى السادسة صباحاً.

الآن لا جنة فى شىء، فى الضحك، فى الصمت، مد التلاميذ على قدميهم، هزر الواقفة فى الفصل المقابل لكِ(صباح الخير ياوزة).

تشاجرتى معه حين أراد تصويب فتحة فمه نحو عينيكِ ليصب فيهما هزراً خفيفاً(شنبك طلع).

أنتظرى لا تغلقى الباب.

المسافة الفاصلة بينى وبينكَ على السرير، تسع لشيطان يرقد، ويستغل حركتكَ البطيئة تجاه الحائط ويفترسني.

فى هذه اللحظة، تود أن تمشى من التحرير إلى المطرية، تأكل حمص الشام ـ رغم أنك لا تفعل ـ تدخل، يترك لك المخدع، يرفس الحوريات، تخجل، تنتظر، تضع يدك على أول ملمس ناعم فى جسدك، وتدسه فى الواقفة أمامك بالضبط.

"يالله"

"ياراجل أعدل نفسك"

"تصبحى على خير"

 

                                                          أغسطس 1992

                                 *********************************

 

 

 

أشياء صغيرة وأليفة

---------------------------

 

مروراً بالوقت، والأولاد، والدروس، وانتهاءً بالبيت، والصابون، وصوت الموسيقى.

ترقدين ممددة الذراعين، تتركين لساقيك حرية الحركة.

والأشياء الليفة تخدعكِ للغاية، فى بساطتها، تواجدها، إذابتها داخلك – عفواً – ستصنعين كوباً من الشاى، استكمالا للدفء والأسترخاء، وتواصلين هز قدميك فى سرعة وسهولة واعتياد.

اليوم، الجو صحو، والسماء بها الشمس واضحة، ترسل أشعتها. ومع ذلك يمر بداخلك تيار بارد وسخيف، تقبضين على الكوب الساخن بشدة، وتتلذذين بشرب الشاى.

أنتِ الآن حرة، فى شرب الشاى، مد ساقيكِ، غسل الكوب أو تركه، صحتك، حديثك.

حرة إلى مدى خرق عينيكِ فى صورة زواجك أو تقطيعها.

إنه الشتاء!

وحدك تدخنين، وابنتك إلى جوارك، تلعب بيديها الصغيرتين فى كتاب جلبتيه خصيصاً لها.

إنه الشتاء هنا!

تشاركنا فى الفطور، والنوم، وحلاوة المولد، وبالذات الحصان الحلاوة "إنه يرقد الآن أمامى، بلا حراك، بلا معارك، فقط يرقد".

(لا تتعجل فى الرد الآن. ولا تكتم عنى شيئاً أريد إخبارك، أن الجميع هنا، فى الجو، والوقت، والأعياء سواء).

ابنتك تدلق الشاى الساخن على يدها، فأطفىء السيجارة، وأجرى بها.

كم كنت قاسياً عندما لمست بيدك طرف حذائى وضحكت : العالم يبدأ من هنا.

الجيران خيمة لا بد من تمزيقها، والبرد قارص هذا الشتاء. وأعمدة النور أيور رجال مشرعة فى الهواء، والجو بارد جداً. وأنتَ تحت الضوء الخافت، تنفث هواء سيجارتك، إنك شديد التماسك لدرجة أنك ترعبنى.

خنقت  رغباتى المتداخلة فيك، وقفزت، وقفزت بكل مدخراتك عن معرفتى، وحبستك داخل أسئلتى.

أخبرتنى أن الجرائم الصغيرة، تبدأ من ها هنا، وأشرت ناحية القلب.

سؤال يحيرنى : كم تبقى لك الآن من الشجاعة، كى تهاجمنى بالعساكر والبرد. دائماً تختار الأسود. المنضدة الصغيرة تزدحم بأكواب الشاى والورق، وأعقاب السجائر، والشطرنج.

حيث أنا ..

لا أحد.

أنتَ الآن متعب للغاية.

تفرد ساقيكَ على الكنبة، تبسط راحة يدكَ، وتمدها فى تكاسل.

جميل أنكَ تخطىء، وتطفىْ السيجارة على الأرض. التواريخ منافذ عتمة.

فهل من حقى أن أكتب،

وأرقص،

وأشرب،

وأدخن،

وأحب،

و..

و..

ووووو

                                                          أغسطس 1994

---------------------------------------------------------------------------------------

 

 

زوجتى تدخن

------------------  

 

 

زوجتى تدخن، وأحياناً تلقينى أرضاً.

- لِمَ لا توافق على قتلى.

  طالما أنتَ ..؟

أقطب عن جبينى ولا أجيب، تلقى بثقل جسمها على.

- هكذا أنتَ دوما، ملول، ولا تفزعنى.

لزوجتى حماقات، جادة، صارمة، لاتضحك، تصمت طويلاً، وعندما تتحدث يحمر وجهها وتشيح بيدها، وأحياناً كثيرة تلقينا أرضاً.

- يا بن الواطى.

تعاركنا كثيراً، تركنا الفراش، والنوم والحب، والمداعبة، صمتنا لدرجة نسينا الكلام.

وفى يوم وجدتها تدخن، تشد نفساً طويلاً وتنفثه فى الهواء بقوة.

وعندما أدرت ظهرى، متوجهاً للمطبخ، أعد طعام العشاء، سمعتها تضحك، تنكت، تتمرغ على الأرض.

وتنادينى : يا تافه.

تأخذ الأمور، مأخذ جد ولا تضحك.

أدرت وجهى، وأحضرت طعامى، وجلست أمضغ فى هدوء. وهى تتلعبط على الأرض، وتضحك، وتضحك.

- أنتَ يا قذر، ألا زلت متماسكاً؟

هل تعرف سبب الحرب الأهلية؟

قلت لها : تلاقى أم إبراهيم هى السبب.

- أم إبراهيم، ولا إبراهيم يا بن ال.. بتضحك على.

مضغت طعامى، وقمت فى هدوء، غسلت يدي، ودخلت الحجرة، متسحباً على أطراف أصابعى، ودسست نفسى فى الفراش، بكامل ثيابى، وأخذت أضحك.

 

                                                    أغسطس 1993

 

                                 *****************************

 

 

 

عزيزى أصلان

-----------------------

 

   

الآن وللمرة الثانية انتهى من وردية ليل.

لم يكن يشغل بالى سوى العم بيومى وهو يرفع وجهه( أول دور مش تانى دور ).

جملة ذكرتنى بمشهد موت العم مجاهد والشيخ حسنى يجره فوق عربة الفول، وضبابية الفجر خلفهما.

أفق يفتح على أننا سوف ندفع تجاهه، واليوم ليس معى مليم، أرسل به برقية إليك، أهنئك على روايتك التى أخيرا قرأتها.

"ياه صعب قوى"

الليلة، أرتدى التيير الأخضر، والحذاء الشمواة الأخضر، أكور يدىّ، وأنفخ فيها نفسا دافئا، والبنايات العالية تتضخم أمام عينى فى شارع قصر النيل.

"ياه مجدى وحشنى قوى"

على مقهى البستان، كانا صامتين، ويدخنان بشراهة وعدم أكتراث، استدارا بوجهيهما ناحيتى.

- كان لحق يوحشك.

- أسكت أنت يا ياسر .

ليك وحشة كبيرة قوى يا يوسف، تيجو نمشى، لحسن البستان فاضى وممل.

سرنا أنا وياسر الزيات، ويوسف النجار، البرد يفجؤنا، والشوارع خالية، نكور أيدينا، وننفخ فيها، أنفخ بشدة، وأنا أجرى بينهما.

- تعرفوا.

الشرب فى الجو ده لذيذ.

- يا بنت المجنونة.

إهدى.

- يوه يا يوسف، أصل مجدى له وحشه.

- دا عشان أول مرة.

- تعالوا نرجع القهوة.

سينما قصر النيل تعرض فيلم( العسكرى الأزرق )قلة يدخلون ،لمحنا سليمان الصايغ  يقف خلف بنت سمراء ، تنظر إلى أفيشات العرض، بفستان تيل سادة ، ندهنا فى نفس واحد :

- يا سليمان .

استدار بارتباك ناحيتنا.

- أهلاً

أنا كنت فى وردية وراجع.

شُفتوا أصلان.

- تلاقيه ع القهوة.

أقترب يوسف النجار.

- تعرف ياسليمان ..

أنا كنت هناك ع القهوة.

شفت أصلان وشحاتة ، وناس كتير عاملين زينا ، واحنا بنشرب إزازتين البيرة الساقعة ، فى كشك الخواجة على حساب سليمان الصايغ، وبنضحك عيه وعلى روايح .

اقترب سليمان وسرنا.

- ياه يا يوسف ، تعرف قبل ما أجى عديت على إبراهيم فهمى صاحبنا، اللى معايا فى الشغل، فتحت عليه الأوضة، لقيته ممدد على الأرض حزين ، ومركون على جنب وميت.

سبته زى ماهو وجريت.

معرفش إيه اللى ودانى السيما وقابلتها، لابسه فستان تيل ولمة شعرها.

جت جنبى وطلبت .. ولما شدتها، رفضت تخرج للشارع، همست فى ودنى بصوت ناعم وحزين(أنا ما بروحش بيوت).

... توقفنا عن السير، كانت أندهاشة يوسف النجار أوسع من أن ندركها، ظل صامتا، ثم فاجأنا

حاسس إنى هاموت زى العم مجاهد وحدى، إمبارح أم روايح ماتت على روحها من الضحك وهى بتقوللى : يوه يا استاذ يوسف، لسك لوحدك!

منور.

ومدت إيدها تحت منها وهرشت وهيه .. بتضحك "أنا كنت بحب فاطمة وهجوزها".

 

     الليل يشعرنا بالوحدة، وقسوة الشارع، وهو يصفر حولنا، جعلت وجوهنا أكثر حميمية وأقل توترا.

- خلاص أنا تعبت.

ومترو الأنفاق خلص.

تعالو نرجع.

- خلاص نسيتى؟

- لأ.

أنا عايزة أشرب بيرة.

"على بابا" مكان ضيق وكئيب، ومبنى الجامعة الأمريكية يقف أمامنا شامخا فى وحشة.

- أزايز البيرة عملت جو.

- يعنى المخزن مش أحسن.

- يوه يا ياسر كفاية شرب.

- أنت بالذات تسكتيِ.

فاكر يا يوسف مشهد الهرم لما زنقة الشيخ حسنى فى الحمام.

أنا ساعتها مت من الضحك .. والسيما هاجت.

- المشهد اللى معشش جوايا بجد، مشهد يوسف وهو متمدد ونايم والقارب ماشى على وش المية. طول عمرى بحلم بالمشهد ده.

مية، وأنا نايم على ضهرى، وأنا .. وواحد .. واحد جميل .. جميل قوى، بنمارس جنس.

- من غير مركب.

- من غير مركب.

وعريانة.

- يا بنت المجنونة.

- الله يخرب بيتكم.

البيرة دى هايلة.

 

                                                   مايو 1994

---------------------------------------------------------------------------------------