الجمعة، 23 فبراير 2018

صوت

صوت

قطعة كبيرة من الثلج أشعر بها فى صدرى، وأنا أستقبل كل يوم هواء النيل البارد، بداية من محطة العجوزة، مرورا بالزمالك، وأنتهاء بأبى العلاء ببولاق.
وبرغم كل هذا البرد فى الشتاء، كنت دائماً أشتاق إلى صوتك والسير طويلا فى هذا الجو الشتوى المنعش كل صباح.
فكنت أترك السيارة هابطة، وأسير بخطوات بطيئة هادئة، وأنا أنظر نحو النهر الممتد أمامى يسير متبخترا منذ ألاف السنين، وفى أحيان كثيرة كنت أجلس على شاطئة، أحدثه، أو أقف أعلى الكوبرى، وأشكو له ضعفى وقلة حيلتى من تدابير الدنيا ومؤمرات البشر، وكم من مرة بكيت بحرقة أمامه فى صمت.
ربما ولأول مرة فى حياتى فى شهر يناير من هذا العام تحديداً، أجلس على شاطئة فى الليل هادئة، اسمع وشوشات أمواجه، وهى تسر لى بسر جديد، وتحكى لى على مهل ذكرايات كثيرة، وتذكرنى بدموع جدتى إيزيس.
ليلتها جلست ما يقرب من الساعتين فى البرد، وأنا أنصت باهتمام إلى الصوت الداخلى وإلى وشوشات الأمواج البطيئة.
ثم تحدثت ببطء شديد مع نفسى (إلهى لقد تركت كل شىء ورائى، فاعنى على فقدها) وأنا أبحث بدأب عن صوتى الخاص، تعثرت به وهو خارجاً سعيداً من داخلى.

هى

هى 

عبثا حاولت إقناعها بأن تغير من نفسها طالما هى تقدر على فعل ذلك.
وتملك زمام وشكيمة أمرها.
ولكنها فى كل مرة كانت تفر من أمام عينى، وأراها خارجة من بين الضباب وكتل الثلج المتراكمة فى وحدتها والتى صنعت ببطْ وبدون وعى منها، وأخذت تزداد تراكما يوما بع يوم فوق قلبها الضعيف.
وصبى المقهى يقدم لها فنجان القهوة المضبوط والذى تحبه بعد عناء يوم كامل فى العمل.
حدثت نفسها لماذا أنا تعسة هكذا، وحبطة إلى أقصى درجات الإحباط؟
مدت يدها وأخذت ترشف من فنجان القهوة ببطء شديد وممل، وهى تتذوق بقايا البن المتبقى فى قاع الفنجان.
إذ فجأة جاء سرب من الطيور البيضاء وحلق حولها، وهى لا تعرف من أين جاء هذا السرب؟
وكيف أخترق كل هذه الحواجز والمبانى العالية المحيطة بالمقهى.
كل ماعرفته أن هناك رسالة ما تحاول الطيور أن تخبرها به.
رحلة، سفر، مال ...
فتذكرت موعداً قد فاتها منذ لحظات، فطلبت فنجانا أخر من الجرسون، وجلست تتلذذ بالطعم المر الشهى، وهى تعد نفسها بلقاء آخر فى يوم ما مع الطيور المهاجرة.

**************************************************************************

قلب

قلب

أنحدرت الدمعة الساكنة فى عينىِ منذ مدة.
كنت أعتقد اننى أصبحت غليظة القلب، فاترة المشاعر، لمجرد أن الدموع توقفت وتحجرت فى عينىِ.
ولكن فى هذا اليوم الشتوى تحديداً، وجدت الدموع تنهمر، تنهمر بغزارة، وأنا أرى طفلاً على كتف أمه يبكى فى صمت وهى تحمله وتهرع به  مزعورة ومسرعة نحو المجهول.
لحظتها، لحظتها فقط عرفت كم المشاعر المتباينة داخل قلبى المرهف الباكى.

نقطة ضوء

نقطة ضوء

لا تقف فى الظلمة بمفردك!
لأن المسافة قاسية.
كان النور شحيحاً، شحيحاً جداً، عندما حاولت العبور من المنطقة المظلمة فى الروح إلى المنطقة المضيئة، ولكنها حاولت، وحاولت بكل جهدها أن تعبر ذلك النفق المظلم، وتتوجه مباشرة إلى الضوء، إلى نقطة الضوء التى كانت تشع هناك على بعد عشرة أعوام، عندما تركها على الطريق بمفردها، وفر هارباً، تقابل بكل يأس وتعاسة العواصف والرياح والظلمة، يالها من مسافة طويلة، قطعتها بنور داخلى كى تعبر من ظلمة النفس والقسوة، إلى نقطة ضوء بعيدة، كانت تشع شعاعاً خافتاً، يال الجمال ياسيدتى.

الخميس، 12 أكتوبر 2017

يوم عاصف - قصة قصيرة نوفمبر 1983

يوم عاصف

تسير.. تمد قدميها تعبر الطريق .
تهب عاصفة ترابية... تقف .
بهدوء.. تنظر .
تراه.. على الرصيف المواجه يسير، بخطوات متخاذلة .
كلما يخطو خطوه.. ترى فيه مدينتها الواسعة .
هو كلما يقترب منها، يتباطأ فى سيره .
يرى وجهها، يتذكر وجه أمه الصبوح .
تقترب خطوه، خطوتين، تقترب بينهما المسافة .
أتضحت ملامحها الحزينة فى ابتسامة .
أندفع نحوها .
مدت يدها .. صافحها .
أبتسمت .
نمت على جبينه بعض التساؤلات .
- سالها عن الصدفه ؟
أجابت بحذر .
- جميلة .
لكن لا ندعها تعبث بنا، أو نترك أنفسنا لها .
يتحدث كثيرا . تتدخل فى الحديث بكلمات بسيطة، الفكر مشغول .
يظهر فى الجو غبار .
تستدير للخلف .
مفتوحة العينين .. تنظر .
تفاجأ .. من ؟
آه ياربى .. آه رأها .
أخذت تبتعد .. تجرى .
تقاوم العاصفة .
حدثت نفسها ..
دائما هكذا يتبعنى، لست خائفة،
الشك يتله .
تهب العصفة .. تغمض عينيها .
تصدم .. تبصر .
تجده ، لم يعد يهتم .
توقفه ، تحدثه .
الهواء لا يساعدها .
تغمض عينيها.. تتحدث .
                               نوفمبر 1983
                             ***************** 

السبت، 9 يوليو 2016

قصة حتى لا أكون ثلجا

حتى لا أكون ثلجا
      
     سأقفز من على المكتب إلى المطبخ ، أعد وجبة ساخنة .
سأقرأ عن إضراب النساء فى الأرجنتين ، وعن الحجاب فى تركيا ، وعن نساء إيطاليا فى المظاهرات ، سأقرأ كل ما يقع عليه يدى عن المرأة والرجل ، عن الحب ، عن الدين والسلطة والجنس ، عن كيفية الخروج من الحظائر المغلقة ، عن أستضافة أصدقائى بحرية بالغة ، والتحدث فى موضوعات شتى ، عن السياسة والعنف ، والعمل فى مصانع مغلقة ، كلها حريم ، أو كلها رجال ، عن سوء التغذية ، والحمل والإجهاض ، عن الموضة ، عن البنات المحجبات داخل مدرجات الجامعة ، عن شباب الخريجين ، عن سائقى التاكسى ، عن حق المواطنة .
     كل ذلك سوف أفتح تاريخه ، وكى لا أكون ثلجا ، ساردد أغنية من الأرجنتين ل ( مرسيدس سوسا ) ..
" كل مرة يمحون فيها شخصى
  كنت أختفى من الوجود
  وحيدة من عينى تسيل دموع
  كنت أربط عقدة فى منديلى
  ولكننى كنت أنسى
  أن هذه لم تكن موتتى الأولى
  فأبدأ الغناء من جديد .
     كيف جرؤ التاريخ على اختزال كل هذه الآهات ؟
طعم الشاى الساخن يثير أحقادى نحو الحياة ، طالما لن يذكر فيها أننى كنت يوما أحاول أن أكون شخصا مستقلا .


                                                              إبريل 1997



                          ****************************

قصة ورطة

ورطة
 
    سأتسلح الليلة بأشياء جديدة علىَ ، حتى لا تربكنى ، وأنت تطلب القبلة الأخيرة قبل النوم .
فلن ادعى أننى مريضة ، أو أننى متعبة من العمل ، ولن أفسح لك مكانا أكثر مما يتيح لجسدك أن يظل على جانب واحد لا يغيره .
بل سادعى الرضا كل الرضا ، وأعدك بالمزيد من القبلات ، وربما أطمعك فيما هو أكثر من ذلك ، شرط أن تطرد الناموسة التى تزن فى أذنى ، وتقلق راحتى .
     عن طيب خاطر ، تشعر بسعادة ، تغلق الشباك ، وتحكم غلق الباب ، وربما تطفىء النور ، وتحاول ، بل تبذل جهدا على غير عادتك لمطاردة هذه الناموسة .
وكلما سمعت زنها ، أشرت لك بإصبعى إلى المكان ، تسرع إليه ، فأشير إلى الجانب الآخر : هنا .. لأ هنا .. فوق التسريحة .. لأ لأ على ضلفة الدولاب .. اسمع قرب النافذة .
     وكعازف يجيد العزف على آلته ، تقفز بخفة من السرير إلى الأرض ، من الأرض إلى السرير ، وكلما رأيت حماسك يشتد ، أزداد تشبثا بقتلها .

                                                                    فبراير 1997